القرطبي
194
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
قوله تعالى : ( وضرب الله مثلا قرية ) هذا متصل بذكر المشركين . وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا على مشركي قريش وقال : " اللهم اشدد وطأتك على مضر واجعلها عليهم سنين كسني يوسف " . فابتلوا بالقحط حتى أكلوا العظام ، ووجه إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم طعاما ففرق فيهم . ( كانت أمنة ) لا يهاج أهلها . ( يأتيها رزقها رغدا من كل مكان ) من البر والبحر ، نظيره " تجبى إليه ثمرات كل شئ ( 1 ) " الآية . ( فكفرت بأنعم الله ) الانعام : جمع النعمة ، كالأشد جمع الشدة . وقيل : جمع نعمى ، مثل بؤسى وأبؤس . وهذا الكفران تكذيب بمحمد صلى الله عليه وسلم . ( فأذاقها الله ) أي أذاق أهلها . ( لباس الجوع والخوف ) سماه لباسا لأنه يظهر عليهم من الهزال وشحوبة اللون وسوء الحال ما هو كاللباس . ( بما كانوا يصنعون ) أي من الكفر والمعاصي . وقرأ حفص بن غياث ونصر بن عاصم وابن أبي إسحاق والحسن وأبو عمرو فيما روى عنه عبد الوارث وعبيد وعباس " والخوف " نصبا بإيقاع أذاقها عليه ، عطفا على . " لباس الجوع " [ أي أذاقها الله لباس الجوع ( 2 ) " وأذاقها الخوف . وهو بعث النبي صلى الله عليه وسلم سراياه التي كانت تطيف بهم . وأصل الذوق بالفم ثم يستعار فيوضع موضع الابتلاء . وضرب مكة مثلا لغيرها من البلاد ، أي إنها مع جوار بيت الله وعمارة مسجده لما كفر أهلها أصابهم القحط فكيف بغيرها من القرى . وقد قيل : إنها المدينة ، آمنت برسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم كفرت بأنعم الله لقتل عثمان ابن عفان ، وما حدث بها بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم من الفتن . وهذا قول عائشة وحفصة زوجي النبي صلى الله عليه وسلم . قيل : إنه مثل مضروب بأي قرية كانت على هذه الصفة من سائر القرى . قوله تعالى : ولقد جاءهم رسول منهم فكذبوه فأخذهم العذاب وهم ظالمون ( 113 )
--> ( 1 ) راجع ج 13 ص 299 . ( 2 ) من ج وى .